سيد قطب
1963
في ظلال القرآن
لتمكينه من الأداء الفني الكامل والواقعية الصادقة السليمة ، دون أن يسف أو يحتاج إلى التخلي عن النظافة اللائقة بفن يقدم ل « الإنسان » « 1 » ! وتبقى وراء ذلك كله عبرة القصة وقيمتها في مجال الحركة الإسلامية ؛ وإيحاءاتها المتوافية مع حاجات الحركة في بعض مراحلها . ومع حاجاتها الثابتة التي لا تتعلق بمرحلة خاصة منها . إلى جانب الحقائق الكبرى التي تتقرر من خلال سياق القصة ، ثم من خلال سياق السورة كلها بعد ذلك . وبخاصة تلك التعقيبات الأخيرة في السورة . . ونكتفي في هذا التقديم للسورة بلمحات سريعة من هذا كله : * لقد أشرنا في مطالع هذا التقديم إلى مناسبة قصة يوسف بجملتها للفترة الحرجة التي كانت تمر بها الحركة الإسلامية في مكة عند نزول السورة ، وللشدة التي كان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - والقلة المؤمنة معه يتعرضون لها . وذلك بما تحمل القصة من عرض لابتلاءات أخ كريم للنبي الكريم ؛ ثم بما تحمله بعد ذلك من استفزاز من الأرض ثم تمكين « 2 » . وهذا الذي سبق أن قررناه يصور لونا من إيحاءات القصة المتوافية مع حاجات الحركة الإسلامية في تلك الفترة ؛ ويقرب معنى « الطبيعة الحركية » لهذا القرآن وهو يزود الدعوة ، ويدفع الحركة ، ويوجه الجماعة المسلمة توجيها واقعيا إيجابيا محدد الهدف مرسوم الطريق . * كذلك أشرنا في ثنايا تحليل القصة إلى الصورة الواضحة الكاملة الدقيقة الشاملة للإسلام ، كما عرضها يوسف عليه السلام . وهي صورة تستحق الوقوف أمامها طويلا . . إنها تقرر ابتداء وحدة العقيدة الإسلامية التي جاء بها الرسل جميعا ؛ واستيفاء مقوماتها الأساسية في كل رسالة ؛ وقيامها على التوحيد الكامل للّه سبحانه ، وعلى تقرير ربوبيته للبشر وحده ، ودينونة البشر له وحده . . كما تقرر تضمن تلك العقيدة الواحدة للإيمان بالدار الآخرة بصورة واضحة . وهذا التقرير يقطع الطريق على مزاعم ما يسمونه « علم الأديان المقارن » من أن البشرية لم تعرف التوحيد ولا الآخرة إلا أخيرا جدا ، بعد أن اجتازت عقائد التعدد والتثنية بأشكالها وصورها المختلفة ؛ وأنها ترقت في معرفة العقيدة كما ترقت في معرفة العلوم والصناعات . . هذه المزاعم التي تتجه إلى تقرير أن الأديان من صنع البشر شأنها شأن العلوم والصناعات « 3 » . كذلك هي تقرر طبيعة ديانة التوحيد التي جاء بها الرسل جميعا . . إنه ليس توحيد الألوهية فحسب . ولكنه كذلك توحيد الربوبية . . وتقرير أن الحكم للّه وحده في أمر الناس كله ؛ وأن هذا التقرير ناشئ من أمر اللّه سبحانه بألا يعبد إلا إياه . والتعبير القرآني الدقيق في هذه القضية يحدد مدلول « العبادة » تحديدا دقيقا . فهي الحكم من جانب اللّه والدينونة من جانب البشر . . وهذا وحده هو « الدين القيم » فلا دين إذن للّه ما لم تكن دينونة الناس للّه وحده ، وما لم يكن الحكم للّه وحده . ولا عبادة للّه إذن إذا دان الناس لغير اللّه في
--> ( 1 ) للاستزادة من البحث يراجع كتاب : « منهج الفن الإسلامي » لمحمد قطب . نشر « دار الشروق » . ( 2 ) ص 1950 من هذا الجزء . ( 3 ) يراجع ما سبق تقريره عن هذه القضية في هذا الجزء ص 1878 - 1882 .